عبد الوهاب الشعراني
199
تنبيه المغترين
الورد رحمه اللّه تعالى يقول : خالطت الناس خمسين سنة إلى يومي هذا فما وجدت أحدا منهم غفر لي زلة ولا أقال لي عثرة ولا أمنته على نفسي إذا غضب مني . وكان حاتم الأصم رحمه اللّه تعالى يقول : اجعل الناس كالنار فلا تدنو منهم إلا عند الحاجة ، وإذا دنوت منهم فكن على حذر كما تحذر من النار إذا دنوت منها ، وكان أبو الدرداء رضي اللّه عنه يقول : من خالط الناس فلا بد أن يخربوا عليه قلبه ، وكان جعفر بن حميد رحمه اللّه تعالى يقول : الحق إنه لا بد لك من الناس ولا بد للناس منك فليكن كل منكما على حذر من الآخر . وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى في سفر فلما قدم منه قالوا لسليمان الخواص رحمه اللّه ألا تلقى إبراهيم ، فقال : أخاف إذا لقيته أن أتزين له بكلام فأهلك ، وقد كان الحسن بن صالح رحمه اللّه تعالى يقول : لا ينبغي لأحد أن يعتزل للعبادة إلا بعد التفقة في دينه ، فقد كان الإمام مالك رضي اللّه عنه يقول : تفقه ثم اعتزل - يعني عن الناس - ، وكان عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما يقول : خير جلوس الرجل في قعر بيته لا يرى ولا يرى ، وكان سفيان رحمه اللّه تعالى يقول : واللّه لقد حلت العزلة عن الناس . ( قلت ) يعني وجبت كما في حديث [ فقد حلت له شفاعتي ] أي وجبت ، وكان أبو سفيان يقول : اعتزلوا عن الناس جهدكم فإنهم سراق العقول ، وكان أبو بكر الوراق رحمه اللّه تعالى يقول : لا تطمع في الأنس باللّه أبدا وأنت تخالط الخلق ولا تطمع في رضا اللّه تعالى وأنت تخالط الظلمة ، ولا تطمع في حب اللّه لك وأنت تحب الدنيا ، ولا تطمع في لين قلبك وأنت تجفو على اليتيم . وكان داود الطائي رحمه اللّه تعالى يقول : لا تصلح العزلة عن الناس إلا لمن زهد في الدنيا أما الراغبون فيها فلا فائدة في عزلتهم فمن اعتزل الناس ولم يجعل الحق تعالى مؤنسا والقرآن محدثا فقد أخطأ الطريق ولم تصح عزلته . وكان سفيان الثوري رحمه اللّه تعالى يقول : اجعل جلوسك في مكان يكون أخفى لشخصك وأخفض لصوتك ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : من لم يجالس الحق تعالى والنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم فقد خابت عزلته ، فقيل له كيف ذلك ، قال : يدرس القرآن بتدبر وينظر في أفعال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقواله وأفعال أصحابه رضي اللّه عنهم وأقوالهم ، فمن فعل ذلك فقد حادث اللّه تعالى وحادث النبي صلى اللّه عليه وسلم وحادث أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم .